Home > News
تقرير سنوي: 2010 عام الدبلوماسية السورية الهادئة بحثا عن حلول لقضايا المنطقة عبر فتح قنوات جديدة للحوار
2010/12/12

                                                                             (من موقع وكالة شينخوا) 

اتسم الاداء الدبلوماسي والسياسي السوري خلال العام 2010 بالكثير من الهدوء والتأني، قياسا إلى السنوات القليلة السابقة التي عانت خلالها دمشق من عزلة دولية خانقة على خلفية موقفها الرافض للحرب الأمريكية في العراق العام 2003.

وفي اعقاب مقتل رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري في فبراير العام 2005، إذ اتهمت سوريا وحلفاء لها في لبنان بالضلوع في هذا الاغتيال، وكذلك الانتقادات التي وجهت لها نتيجة موقفها من الملف النووي الإيراني، ووقوفها إلى جانب طهران في مواجهة الضغوطات الدولية.

لقد طوت دمشق هذه الملفات خلال العام 2010، وسعت إلى استثمار التعاطي الإيجابي الدولي معها وطوعته لمصلحتها، فعملت بصورة هادئة عبر فتح قنوات جديدة للحوار، وتعزيز دورها ومكانتها على الصعيد العربي والإقليمي والدولي، منطلقة من رؤية استراتيجية تتمثل، وفقا للسياسة السورية، في ربط البحار الأربع (البحر المتوسط والخليج والبحر الأسود وبحر قزوين) وإقامة تكتلات إقليمية تعمل لأجل مصلحة شعوب المنطقة، وتدافع عن قضاياها العادلة، دون أن تتنازل خلال هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة عن ثوابتها الوطنية والقومية، وعلى رأسها حق المقاومة في الأراضي المحتلة.

إن المتابع لتحركات الدبلوماسية السورية في الآونة الأخيرة، يلمس بوضوح مدى انشغالها بأولويات استراتيجية مترابطة بغية المساهمة في صوغ مستقبل المنطقة، سواء تعلق الأمر بملف عملية السلام، أو في الملف العراقي وتعقيداته، أو الملف اللبناني ..وسط سعي دمشق إلى استمرار التشاور مع انقرة وطهران، واستمرارها في بذل المساعي لتحسين صورة العلاقات العربية العربية، والتأكيد على انجاز المصالحة الفلسطينية بوصفها السبيل الوحيد لحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة.

وقد احتضنت دمشق جولتين من الحوار بين حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في سبتمبر الماضي بهدف انجاز المصالحة المنشودة.

وفي الملف العراقي، الذي شهد مخاضا عسيرا خلال العام 2010، حافظت سوريا على موقفها الثابت في دعم العملية السياسية في العراق، ولعل الانجاز البارز على صعيد العلاقات السورية العراقية تمثل في عودة السفيرين العراقي والسوري في سبتمبر الماضي إلى مقر عملهما في كل من بغداد ودمشق بعد استدعائهما في أعقاب اتهامات عراقية لدمشق بالضلوع في تفجيرات شهدتها بغداد صيف العام 2009.

وقبل ذلك، لعبت سوريا دورا إيجابيا في الانتخابات العراقية العامة التي جرت في مارس الماضي، إذ نظمت عمليات الاقتراع على أرضها للعراقيين المقيمين لديها والذين يصل عددهم إلى نحو 1.5 مليون ، دون أن تراهن على مصير هؤلاء في طبيعة العلاقة مع بغداد، بل استقبلت دمشق، رغم الخلافات السياسية، العديد من الزعماء والسياسيين العراقيين، خلال العام 2010، ولعل أبرز الضيوف كان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي طوى بزيارته لسوريا في أكتوبر الماضي صفحة من الخلاف دامت نحو سنة كاملة.

ولم تسع الدبلوماسية السورية إلى توظيف هذه الزيارات بغية تحقيق مصالح واجندات ضيقة، بل كانت القاعدة الأساسية التي تحكمت في استقبال دمشق للسياسيين العراقيين هي التعامل مع الجميع بنفس الاهتمام، والوقوف على مسافة متساوية من مختلف الفصائل العراقية، وكانت سوريا تكرر على مسامع الجميع رغبتها في تشكيل حكومة عراقية تمثل مختلف اطياف الشعب العراقي وتحافظ على وحدة العراق وسيادته.

ولم يغب الجانب الاقتصادي عن هذه النشاطات السياسية، ولعل اهم ما تحقق خلال العام 2010 هو إقرار حكومة المالكي في أغسطس الماضي مشروع مد أنابيب نفط وغاز من أراضي العراق وإيران إلى الساحل السوري والبحث في ترميم أنبوب النفط بين كركوك ومدينة بانياس الساحلية السورية ثم قيام الخارجية السورية بالترحيب بذلك واعتباره "خطوة مهمة تطور العلاقات بين البلدين وتنشط التعاون الاقتصادي المشترك بينهما".

وفي الملف اللبناني، كان التنسيق السوري السعودي في هذا السياق عنوانا بارزا، إذ عملت دمشق والرياض على الجمع بين الفرقاء اللبنانيين، ولعل الزيارة الشهيرة المشتركة التي قام بها العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الأسد من دمشق إلى بيروت في يوليو الماضي حملت دلالة رمزية كبرى، وخلقت تفاؤلا بان هذا التفاهم السوري السعودي سينقذ لبنان من الوقوع في اية اضطرابات أمنية أو فوضى سياسية.

وما عزز مثل هذا الانطباع هو ان دمشق لم تنقطع خلال العام 2010 عن استقبال الساسة اللبنانيين، ففضلا عن زيارات للرئيس اللبناني ميشال سليمان، فان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري حضر إلى دمشق مرات عدة بعد طي صفحة الخلافات، كما استقبلت دمشق وليد جنبلاط رئيس اللقاء الديمقراطي، وهو أحد أبرز وجوه قوى 14 مارس التي ناصبت العداء لدمشق ولحلفائها في لبنان الذين كانوا ينضوون تحت لواء ما عرف بـ قوى 8 مارس.

وفي موازاة هذا الدفء في العلاقة السورية اللبنانية، شهد البلدان حراكا نشطا على المستوى الاقتصادي تجسد بتوقيع العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وينظر المراقبون إلى هذا التطور الملحوظ في العلاقة بين دمشق وبيروت بكثير من الاهتمام ذلك أن لبنان يعتبر منطقة امتداد جغرافي طبيعي لسوريا فضلا عن العلاقات الاجتماعية المتداخلة بين شعبي البلدين.

مفردتا "الامن والاستقرار" تقودنا إلى ملف عملية السلام، إذ يمكن القول إن العام 2010 لم يشهد أي جديد على هذا الصعيد، وخصوصا على المسار السوري، فرغم الاهتمام الدولي بتحريك هذا المسار، إذ قام المبعوث الأمريكي لعملية السلام السيناتور جورج ميتشل باربع زيارات إلى دمشق لهذا الغرض.

كما أجرى المبعوث الفرنسي لعملية السلام جان كلود كوسران محادثات مع الرئيس الأسد للغرض ذاته، غير ان هذه الجهود وسواها لم تسفر عن أية نتيجة رغم تأكيد الأسد مرارا "تمسك بلاده بخيار السلام كونه السبيل الوحيد لضمان أمن واستقرار الشرق الأوسط".

وكانت أنقرة رعت محادثات غير مباشرة بين دمشق وتل أبيب في النصف الثاني من العام 2008، وبينما كان الجانب التركي ينشط في جهوده، شنت حكومة ايهود اولمرت عدوانا على قطاع غزة في نهاية العام 2008 ،الأمر الذي دفع دمشق إلى الإعلان عن إنهاء هذه المفاوضات، ومنذ ذلك التاريخ والمفاوضات متوقفة على المسار السوري، وسط شكوى سورية دائمة من "عدم وجود شريك اسرائيلي حقيقي راغب في السلام".

وما يسجل للدبلوماسية السورية هو نجاحها خلال العام 2010 والسنوات التي سبقته في توطيد علاقاتها مع جارتها الشمالية تركيا، تلك العلاقة التي انطلقت مؤشراتها الاولى بحذر لدى مشاركة الرئيس التركي السابق احمد نجدت سيزر في تشييع جنازة الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد في يونيو 2000 .

لكن سرعان ما التقط الرئيس الشاب بشار الأسد هذه البادرة التركية الطيبة وراح يبني عليها ويدفع بالعلاقات قدما الى الامام، إذ قام بزيارته الاولى الى تركيا عام 2004، وعندما وصل حزب العدالة والتنمية الى سدة الحكم في تركيا فتح الباب واسعا أمام تمتين أواصر العلاقة مع الجارة سوريا.

وفي كل عام تسفر هذه العلاقة الوطيدة عن انجازات مهمة في ظل قاعدة ذهبية جمعت بين قيادتي البلدين تتمثل في تحويل الحدود من نقطة خلاف وتوتر إلى نقطة تفاهم وتعاون، ولا يمكن لأحد، الآن، ان يتجاهل الطبيعة الايجابية لهذه العلاقة الاستراتيجية التي تتعزز يوما بعد يوم بالتفاهم السياسي وبحزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم على المستويات كافة، فتركيا التي حققت نجاحات اقتصادية مهمة، تريد أن تكون سوريا بواباتها العربية إلى دول الخليج ومصر وسواها، مثلما تنظر دمشق إلى تركيا بوصفها جسرا للعبور نحو أوروبا.

ولا يختلف الأمر بالنسبة للعلاقة السورية الإيرانية، إذ حافظت دمشق على علاقاتها التقليدية مع ايران والتي تعود إلى نهاية سبعينيات القرن الماضي لدى انتصار الثورة الإسلامية في ايران، وتبادل الرئيسان الأسد واحمدي نجاد الزيارات، وسط استمرار دمشق على موقفها الداعم لـ "حق ايران في امتلاك طاقة نووية للاغراض السلمية"، مثلما استمرت ايران في دعم المقاومة المشروعة وحق دمشق في استعادة اراضي الجولان المحتلة، ورافق ذلك مضي البلدين نحو تعزيز اتفاقيات التعاون الاقتصادية والتجارية، والتنسيق السياسي على أعلى مستوى في المحافل الدولية بشأن القضايا التي تهم الطرفين.

هذا النشاط الإقليمي الناجح للسياسة السورية في محيطها العربي والإقليمي، لم يشغلها عن الاهتمام بفتح قنوات حوار مع دول بعيدة جغرافيا لكن سياساتها تتناغم في خطوطها العريضة مع المواقف السورية.

وانطلاقا من هذا الفهم، قام الرئيس الأسد في يونيو الماضي بزيارة إلى عدد من دول أمريكا اللاتينية شملت فنزويلا وكوبا والبرازيل والأرجنتين، ولم يكد ينقضي العام حتى قام الأسد بجولة مماثلة على عدد من الدول الأوروبية بينها رومانيا وبلغاريا.

ولم تغب شرق آسيا عن دائرة الاهتمام السوري حيث استقبلت دمشق وفودا سياسية وعسكرية من الصين التي تشكل قوة اقتصادية كبرى في عالم اليوم، ومع قرب انتهاء السنة استقبلت دمشق الرئيسة الهندية براتيبها ديفيسينغ باتيل في سعي إلى توطيد العلاقات مع دول شرق آسيا، وتعزيز نقاط الإلتقاء مع دول تتفهم قضايا المنطقة وتدافع عن مصالح شعوبها في مواجهة الهيمنة الأمريكية.


إن هذا النشاط الدؤوب للدبلوماسية السورية عززت مكانة سوريا، وجعلت من دمشق رقما صعبا لا يمكن تجاهله لدى اي حديث يتناول ترتيب أوراق المنطقة وملفاتها المعقدة.

ولا مبالغة في القول إن دمشق، وخلال العام 2010، اثبتت حكمتها في التعاطي مع مختلف الملفات واضعة مصلحتها الوطنية في المقدمة من دون ان تتجاهل مصالح الدول التي تتعاطى معها، فهي تسعى إلى خلق توازن اقليمي ودولي تبعد عن المنطقة والعالم شبح الحروب والمعارك التي استنزفت طاقات الشعوب واهدرتها على نحو عبثي، ولا سبيل إلى التخفيف من هذه التوترات الا عبر الحوار والتنسيق والتعاون، لذلك اتخذت دمشق من هذه المفردات عنوانا لأدائها الدبلوماسي الهادئ خلال العام 2010.

Suggest To A Friend
  Print